"كيوبيد" يتحدى "كوفيد" ! قصة قصيرة بقلم : حسام الدين فكري

"كيوبيد" يتحدى "كوفيد" !
قصة قصيرة بقلم : حسام الدين فكري / مصر
...........................
في منفاه الذي دفعه القدر إليه دفعاً، جلس على فراشه الذي يُريح جسده ويُشقي نفسه، يسترجع لمحات من حياته السابقة، عبر شريط مُصوّر بالألوان الطبيعية، تتابع فيه المشاهد بغير ترتيب زمني مُحدد، فترتسم ابتسامة واسعة على شفتيه أحياناً، وتتعرج جبهته أحياناً أخرى .
في اليوم السابق، خاض صراعاً مع عدد من الممرضين بمستشفى العزل، ثم تقدّم الصراع درجة حين صار مع طبيبه المشرف على حالته، بعد أن هدّد بقطع أحد أوردته إن لم يأذن له بلقاء خطيبته "حسناء"، التي تقف أمام بوابة المستشفى منذ الصباح الباكر، ولا أحد يريد أن يسمح لها بلقائه..يقول له الطبيب : " يبدو إنك لاتُدرك خطورة حالتك جيداً، أنت مُصاب بفيروس "كورونا" (كوفيد 19)، وهذا فيروس مُعدٍ، فلا أستطيع أن أسمح لك بلقاء أي أحد، حتى لاتنتقل العدوى إليه "..فيردّ عليه بهدوء : " ياسيدي أنا أُدرك كل ماتقول تماماً، لكننا سوف نتبّع الاحتياطات الطبية كاملة، فلن ألتقيها إلا مُرتدياً كمامة وقُفّازاً، وسوف تقابلني هي أيضاً بكمامتها وقُفّازها، وبالطبع، سوف نجلس متباعدين، لستُ أطلب منك سوى بضع دقائق أطمئن فيها عليها " .
سكت هُنيهة، ومسح بكمّ قميصه عبرتين ترقرقتا في مُقلتيه، ثم استطرد بصوت مُتهدّج :
- لقد أمضيتُ أُسبوعاً كاملاً في هذا المستشفى ولم أسمع حتى صوتها، بعد أن احتفظتم بجوالّي؛ بدعوى إنه قد يُثير شيئاً من الانفعال يؤثر على صحتي، لا بأس، لقد طاوعتكم في كل شيء، لكنني في صباح اليوم عندما رأيت "حسناء" من نافذة حجرتي، أحسستُ أن شمس حياتي تُشرق من جديد، فلا تحرموني من لقائها لبضع دقائق فقط بالله عليكم !
بدت في عينيّ الطبيب لمحة من التعاطف مع مريضه الشاب، لكنه مع ذلك أصرّ على الرفض؛ فأخذ الشاب يتلفّت حوله صامتاً، قبل أن يقفز فجأة نحو أحد أركان الحجرة، ثم يلتقط مقصاً صغيراً يُستخدم في قطع الشاش الطبي، فيقرّبه من ذراعه مهدداً بقطع وريد معصمه، إن لم يستجب لطلبه على الفور..فما كان من الطبيب إلا الرضوخ لرغبة مريضه، بعد أن اشترط عليه أن يُشرف بنفسه على لقائه بخطيبته .
بعد دقائق قليلة، وقف الطبيب في أحد أركان حجرة الاستقبال الفسيحة، يرقُب مريضه الشاب وخطيبته..كانا يجلسان على مقعدين مُتقابلين، تفصل بينهما مسافة تناهز الأمتار الخمسة، لكن الخيط المُمتد بين أعينهما كان يشعّ إشعاعاً يخطف الأبصار، كأنما يجلسان مُتلاصقين..وبدا للطبيب من الرسائل الحارة المُتبادلة بينهما – الناطقة حيناً والصامتة أحياناً – أن ثمة عصا سحرية خارقة تضع هذين القلبين فوق شجرة واحدة ! .
كان الشاب يضع راحة يده اليمنى فوق موضع قلبه، ثم يضمّها إلى يده اليسرى بقوة، وهو يُرسل نظرة دافئة إلى خطيبته، فلا تلبث أن تفعل مثله تماماً، لكنها تُطيلُ عناق يديها، فتنفلت منه ضحكة صافية، تُجاوبها ضحكة أخرى تنطلق منها، ثم يسودُ الصمت بينهما، قبل أن تقول له الفتاة :
- سوف أنتظرك
فيردّ عليها بابتسامة عينيه :
- سوف أعودُ سريعاً..لن أُطيل انتظارك
- نعم عُد سريعاً..ابننا ينتظرك معي !!
هنا يرتفع حاجبا الطبيب دهشةً، ثم يرتخيان حين يأتيه صوت الشاب قائلاً :
- لن ينشأ حُبنا الوليد..إلا تحت أعيننا معاً !
وفي تناغم عجيب، ينهض الشاب وخطيبته عن مقعديهما ببطء ثم يستويان واقفين، ويخشى الطبيب أن يتعانقا بعد هذه الوصلة الغرامية الحارة، فيتحرك بسرعة ليزرع نفسه بينهما، فتندّ عنهما ضحكة موسيقية موحّدة في مقام "الصبا"، تجعل جاجبيه يعاودان الارتفاع مجدداً !!.
... وحين يصحب الطبيب مريضه الشاب، عائداً به إلى حجرته، يجد الكلمات تتحرك على شفتيه من تلقاء نفسها، فيقول له :
- يُخالجني شعور قوي بأنك سوف تعبر هذه الأزمة الصحية بسلام، وسوف تعود إلى خطيبتك المُحبة وحياتك الطبيعية من جديد.
فيُلقي إليه الشاب نظرة ثابتة، وهو يقول له بصوت أكثر ثباتاً :
- بل أنا – بعد لقاء نصف قلبي الآخر – على ثقة من شفائي بإذن الله .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رثاء الشهيد انس شريف.بقلم.بيان عبدالحكيم النجار

ولكنه انتصر.بقلم.عيسى بن يوسف عيسى

الوجود.بقلم. ليلى مصطفى ذياب